السيد محمد باقر الصدر

55

الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )

التفسير الأرسطي ونظريّة المعرفة : وهذا التفسير الأرسطي للدليل الاستقرائي ، القائم على أساس افتراض قضايا عقليّة قبليّة يرتبط بموقف المنطق الأرسطي في نظريّة المعرفة ورأيه في مصادرها الأساسيّة ، فإنّ المنطق الأرسطي يؤمن في نظريّة المعرفة : بأنّ العقل مصدر لمعرفة قبليّة مستقلّة عن التجربة والاستقراء ؛ وعلى أساس ذلك يكون بإمكانه أن يفسّر الدليل الاستقرائي ، ويبرّر التعميمات الاستقرائيّة بقضايا عقليّة قبليّة ، من قبيل المبدأ القائل : أنّ الاتفاق لا يكون دائميّاً ولا أكثريّاً ، فيكتسب الدليل الاستقرائي طابعه العقلي من تلك القضايا العقليّة القبليّة . وهذا التصوّر الأرسطي للدليل الاستقرائي وجذوره العقليّة لا يتّفق مع الاتجاه الآخر في نظريّة المعرفة ، الذي يرفض وجود معارف عقليّة مستقلّة عن التجربة والخبرة الحسّية ، ويعتبر أنّ التجربة والخبرة هي المصدر الوحيد للمعرفة ؛ لأنّ رفض معارف عقليّة مستقلّة عن التجربة ، يعني أنّ المبدأ الأرسطي - الذي ينفي الاتفاق الدائمي والغالبي في الطبيعة - لا يمكن أن يكون معلوماً قبليّاً بصورة مستقلّة عن الاستقراء والتجربة ، بل إذا كنّا ندرك شيئاً من هذا القبيل حقّاً ، فيجب أن يكون إدراكنا له قائماً على أساس التجربة والاستقراء ، وهذا يؤدّي بنا إلى أنّ المبدأ الأرسطي نفسه ليس إلّانتيجة من نتائج التعميم الاستقرائي ، فلا يمكن أن يشكّل الأساس المنطقي للتعميمات الاستقرائيّة . ونحن نؤمن بالمعرفة العقليّة القبليّة وفاقاً للمنطق الأرسطي ، كما سنرى في فصل مقبل من فصول هذا الكتاب إن شاء اللَّه تعالى ، وعلى هذا الأساس فبإمكاننا أن نتقبّل افتراض وجود معرفة عقليّة قبليّة ، ولكنّنا ننكر في نفس الوقت